ابن عجيبة

355

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

( و ) يجعله رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ . وكان أول رسل بني إسرائيل يوسف ، وآخرهم عيسى - عليهما السلام - ، وقال : عليه الصلاة والسلام : « بعثت على إثر ثمانية آلاف نبي ، أربعة آلاف من بني إسرائيل » . فإذا بعث إليهم قال : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي : بأنى قد جئتكم بآية من ربكم ، قالوا : وما هي ؟ قال : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ؛ كصورته ، فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ ، وكان يخلق لهم صورة الخفاش ، لأنها أكمل الطير ؛ لأن لها ثديا وأسنانا وتحيض وتطير ، فيكون أبلغ في المعجزة ، وكان يطير ما دام الناس ينظرون إليه ، فإذا غاب عنهم سقط ميتا ؛ ليتميز فعل الحق من فعل الخلق . ثم قال لهم : ولي معجزة أخرى ؛ أنى أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ الذي ولد أعمى ، فأحرى غيره ، وَالْأَبْرَصَ الذي فيه وضح « 1 » . وخصهما ؛ لأنهما عاهتان معضلتان . وكان الغالب في زمن عيسى الطب ، فأراهم المعجزة من جنس ذلك . روى : أنه ربما اجتمع عليه من المرضى في اليوم الواحد ألوف ، من أطاق منهم البلوغ « 2 » أتاه ، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السّلام ، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإسلام . وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ لا بقدرتي دفعا لتوهم الألوهية ، فإن الإحياء ليس من طوق البشر . روى أنه أحيا أربعة أنفس : ( العازر ) ، وكان صديقا له ، فأرسلت أخته إلى عيسى أن أخاك العازر يموت ، فأتاه من مسيرة ثلاثة أيام فوجده مات ، فقال لأخته : انطلقي بنا إلى قبره ، وهو في صخرة مطبقة ، فدعا اللّه تعالى ، فقام العازر يقطر ودكه « 3 » ، فعاش وولد له . و ( ابن العجوز ) ، مر بجنازته على عيسى عليه السّلام فدعا اللّه تعالى ، فجلس على سريره ، ونزل عن أعناق الرجال ، ولبس ثيابه ، وحمل سريره على عنقه ، ورجع إلى أهله ، وبقي حتى ولد له . و ( ابنة العاشر ) ، كان يأخذ العشور ، قيل له : أتحييها ، وقد ماتت أمس ؟ فدعا اللّه تعالى ، فعاشت وولد لها . و ( سام بن نوح ) ، دعا باسم اللّه الأعظم ، فخرج من قبره ، وقد شاب نصف رأسه ، فقال : أقامت الساعة ؟ قال : لا ، لكني دعوت اللّه فأحياك ، مالي أرى الشيب في رأسك ، ولم يكن في زمانك ؟ قال : سمعت الصيحة ، فظننت أن الساعة قامت فشبت من هولها . قيل : كان يحيى الموتى ب يا حي يا قيوم . وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ، لما أبرأ الأكمه والأبرص قالوا : هذا سحر ، أخبرنا بما نأكل وما ندخر ؟ فكان يخبر الرجل بما يأكل في غدائه وعشائه . وروى أنه لما كان في المكتب ، كان يحدث الغلمان بما يصنع لهم آباؤهم من الطعام ، فيقول للغلام : انطلق . . . غداء أهلك كذا وكذا ، فيقول أهله : من أخبرك بهذا ؟ قال : عيسى ، فحبسوا صبيانهم عنه ، وقالوا : لا تلعبوا مع هذا الساحر ، فجمعوهم في بيت ، فجاء عيسى

--> ( 1 ) هو بياض يعترى الجلد . ( 2 ) أي : بلوغ المريض المكان الذي فيه عيسى - عليه السلام - ( 3 ) الودك : دسم اللحم ودهنه .